فوزي آل سيف

32

من قصة الديانات والرسل

العصر الأول: عصر الخرافة: يقول الزَّاعمون عدم الحاجة إلى الإيمان: كان الإنسان في الأزمنة السَّحيقة يرى الأحداث حوله ولا يملك لها تفسيرًا، فيرى البراكين والزلازل والعواصف والأمواج والخسوف والكسوف و الظواهر الطبيعية، ويرى الحيوانات المفترسة والقوية فلا يملك تفسيرًا لهذه القوى التي تدمّر ما أمامها، لا يدري لماذا تحدث الزلازل والفيضانات؟ ولماذا تثور البراكين؟ ولماذا تُكسَف الشمس؟ ولماذا يأتي الليل؟ وحيث أنه لا يعلم أسبابها وعواملها فإنه يتصوّر ـ هكذا يقولون- أنّ هناك أسرارًا غيبية في داخل هذه المخلوقات، وقوى روحية مجهولة ضخمة في داخل البركان، وأرواحًا هائلة قوية في داخل الزلزال، وأسرارا غير معروفة تغيب الشمس أو تأتي بالليل، ولأنّها أقوى منه وأكبر خضع لها وخاف منها وتوسّل إليها وعبد بعضها، وقرّب القرابين لأجلها، كل هذا من أجل أن يرد سطوة هذه الأشياء الخارقة الأقوى منه. إنه لكي يتّقي شرها عَبَدَهَا واحترمها وقرّب إليها القرابين. هذه المرحلة الأولى، ويطلقون عليها أسماء مختلفة منها: المرحلة الطوطمية، وهذه كانت أسس عبادة الإنسان القديم. الثاني عصر الدين: يقول هؤلاء: بعد ذلك بدأ عصر الدين حيث تطوّر الإنسان في مداركه العقلية وجرّب الأشياء وتركزّت ملاحظاته، فبدل أن يقول كل شيء فيه روح مخيفة وقادرة؛ جمّعها كلها فافترض وجود قوة خارقة سمّاها مثلاً (الله)، سمّاها (المعبود)، وافترض أنه موجود في مكانٍ عالٍ في السماء، فهو المسيطر على كل الأشياء، وهو المسيّر لكل هذه الأشياء، ومن هنا يقول هؤلاء نشأت فكرة الإيمان بالقوَّة القادرة الواحدة، بدل أن كانوا يقدِّرون روح البركان والثعبان والفيضان والزلازل، حدث أن جمعوها كلَّها في قوة قادرة واحدة والتي اعتبروها هي المتفردة بإدارة هذا الكون. يضيف هؤلاء أنّه في هذه الفترة أيضًا جاء جماعة (من يسميهم المؤمنون الرسل)، هؤلاء كانوا من الأذكياء الفاهمين، وأقنعوا (!) الناس بأنّ بينهم وبين تلك القوة ارتباطًا خاصًا، وساقوا الناس في اتجاه الإيمان بتلك القوة المفترضة، فنشأ عصر الدين. العصر الثالث: عصر العلم: إلا أنه ـ يقول أصحاب هذه الفكرة ـ على أثر تقدُّم الإنسان في عقله وعلمه ترك الخرافات التي تعود للعصر الأول عصر الخرافة بل ما كان يعتقد في عصر الدين، وأصبح يجد أجوبته الحقيقية في العلم من خلال استخدامه للمناهج العلمية كالتجريبي وأمثاله. إن الطلاق الذي حصل في الغرب بين الكنيسة الأوربية بل والحالة الدينية عمومًا وبين العلماء الطبيعيين، الذين أصبحوا أكثر قدرة على تفسير الظواهر الكونية والكشف عن أسرارها أشعر الإنسان أنه لا يحتاج إلى الدين في حياته حاجة أساسية! ولا ينتظر منه تفسيرًا لما في الطبيعة! واكتشف أن ما كان يؤمن به أسلافه لا يخرج عن كونه خرافات ليس لها أصل معتمد. فالخسوف والكسوف لا يخضع للأرواح ولا القوى الخفية ولا أحد يقضم الشمس ولا يأكل من القمر وإنما هي معادلة فلكية يمكن حسابها والتنبؤ بحدوثها قبل عشرات السنين من حصولها! وأن الزلازل ليست بسبب غضب الرب على العباد وإنما هي بسبب معروف يحدده علماء الجيولوجيا وطبقات الأرض بتحرّك الصفائح الأرضيَّة ضمن نظام معيّن.